قدم أخيراً رجل أمريكا استقالته من رئاسة باكستان ، أمس الاثنين 18 أكست 2008م بعد ثمان سنوات وعشرة أشهر وستة أيام ، ولم يكن يتصور أنه سيهتز مثل هذه الهِزة ، وقد حاول الاحتفاظ بالمنصب باختراقات دستورية شتى ، فمنذ انقلابه العسكري وهو يخترع الحيلة تلو الحيلة للحفاظ على المنصب .
فما أن قلب الحكم المدني على نواز شريف ، وأعلن حالة الطوارئ حتى ثَمَلَ بشهوة الحكم ، وشرب خمرتها حتى الثمالة ، والشهوة أنواع : منها شهوة الجنس ، وهي المشهورة بين الناس ، ومنها شهوة القتل وإراقة الدماء كالتي أصيب بها الحجاج بن يوسف الثقفي ، ومنها شهوة جمع المال ......
وتنقلب شهوة الحكم إلى الاستبداد حين تصل إلى من لا يعرف الله ، ولم يكن منبته حسناً ، فقد كان صاحبنا مأموراً مستعبداً ، يتحكم فيه المدنيون المتعاقبون على الكرسي ، فوجد الفرصة للانتقام فأمعن فيه .
وللاحتفاظ بهذا الاستبداد اتخذ خطوات غير دستورية ، يظهر عليها المكر والدهاء دون غطاء ، شجعه عليها الأخوان الشودريان أهمها :
1/ إجراء الاستفتاء على شرعية رئاسته ـ علماً أن الدستور لا يعترف بالاستفتاء وكان الاستفتاء يشمل خانتين : أعمال الرئيس لصالح باكستان ، أو ليست في صالح باكستان ، وكلف الشرطة بختم البوكات كاملة بنعم ، وخرجت النتيجة كنتائج العسكريين من حكام المسلمين .
2/ ولتطويل حكمه شاء الله عزوجل ابتلاءاً للباكستانيين أن تقع أحداث 11 سبتمبر فكانت فرصة ذهبية لمشرف لتحقيق ثلاثة أهداف :
أ ـ ضرب الإسلاميين في أعظم بلد من حيث القوة العسكرية ، فباكستان هي الدولة الوحيدة التي تملك القنبلة الذرية .
ب ـ فرض العلمنة بالقوة ، وهذا ما تراه واضحاً في مناهج التعليم ، التي غُيرت أكثر من أربع مرات تلبية للرغبات الأمريكية ، وأسند صياغتها إلى لجنة تَرأسُها الجامعةُ الإسماعيلية الباطنية الأغاخانية الوحيدة في باكستان .
وتشجيع كل ما يقود إلى التفلت من قيود الشرع ، ويُقَرِّب إلى الحياة الغربية الإباحية ، من ذلك مثلاً إقامة سباق الجري السنوي العالمي للفتيات ، ومن ذلك منع الشرطة من الملاحقة لشاب وشابة يمارسان علناً أنشطة مخلة بالآداب العامة ، لا يرتضيها المجتمع المسلم في باكستان .
ت ـ جمع الثروة الشخصية ، ولاسيما القادمة من أمريكا ، باسم محاربة الإرهاب + وتغيير مناهج التعليم + وإغراء المدارس الدينية على تغيير مناهجها ، بالقوة مرة وبالإغراء المادي مرات ، وبلغت المعونات الأمريكية في هذا المجال المليارات من الدولارات ، وخذها كمثال : فقد قدمت أمريكا خلال ثمان سنوات الماضية ثمانين مليون دولار كل شهر للجيش الباكستاني كتكاليف لمحاربة الإرهاب ، ولم يُنْفَق على الجيش إلا النذر اليسير .
3/ أدرك برويز مشرف في الصيف الماضي أن كرسيه في خطر ، فأدخل الولايات المتحدة في اللُّعبة ، فرتبَتْ له لقاءً مع بينظير بوتو في دبي وأبرم معها معاهدة تقاسم السلطة ، فيبقى مشرف رئيساً لباكستان ، وتتولى هي رئاسة الوزراء ، متى أجريت الانتخابات في باكستان ، وقد كَتَبْتُ حينها عن هذه اللعبة تحت عنوان ( برويز مشرف و لعبة دبي )
4/ وفي ضوء هذه المعاهدة رتب مشرف الانتخابات الأخيرة قبل ستة أشهر ، إلا أن قدر الله أفسد عليه تلك الترتيبات ، فقد قُتِلتْ بينظير بوتو في الحملات الانتخابية ، واشتعلت مشاعر حزبه والموالين لها ، وأشار الأخوان على مشرف بتأجيل الانتخابات لمدة ستة أشهر تقديراً لشهيدة الديمقراطية في الظاهر، وتحقيقا لمبتغى مشرف في الباطن ، إلا أن حزب بينظير ( حزب الشعب ) حلل الوضع ، ورأى أن فوزه في الانتخابات الآن أقوى من أي وقت مضى أو سيأتي ، فأعلن جَاهِزِيَّتَهُ لخوضها ، واتهم السلطات بقتل زعيمتها ، وطالب بتحقيق دولي تحت إشراف الأمم المتحدة ، فأفسد على مشرف لعبته هذه أيضا .
5/ لعب الرجل بورقة أخرى للبقاء في الحكم ، فعفا عن خصمه نواز شريف ، الذي نفاه لمدة عشر سنوات ، وعرض عليه أمر العودة للتخفيف من عدائه ، وجرت مفاوضات سرية انتهت بعاهدة عودة نواز شريف ، وعدم القبض عليه أثناء الحملات الانتخابية ، إلا أنه حجر عليه وعلى أخيه الترشح لها عن طريق اللجنة المنظمة لذلك بأنهما لا يملكان أهلية الترشيح.
6 / وجد الرجل من الأخوين الشودريين كل دعم للبقاء في السلطة ، فقد زَيَّنَا له قبل حل البرلمان الأخير أن ينال منه الثقة ، وإنه الرئيس الفعلي لمدة خمس سنوات قادمة ، وإنه غير محتاج إلى أخذ الثقة من البرلمان القادم ، لذلك ظل مشرف والأخوان والموالون لهم يضربون على هذا الوتر حتى آخر لحظة من حكمه .
فتقدم المناوؤن له بالطعن في هذه الثقة في المحكمة العليا ، وإنه تلاعب مكشوف بالدستور ، وشُكلَتْ لجنة قضائية عليا للبت في القضية ، فلما أيقن مشرف أن اللجنة ستحكم ضد هذه الثقة ، أقال القضاة من مناصبهم ، وفرض عليهم الإقامة الجبرية في بيوتهم ، ومنع عنهم رواتبهم .......
فخرج المحامون في مظاهرات كل أسبوع في كل المدن الباكستانية ضد عزل القضاة ، وعلى رأسهم رئيس المحكمة العليا ( إفتخار شودري ) وسيعودون إلى مناصبهم في القريب العاجل إن شاء الله ، لأن العائق في إعادتهم قد زال بتقديم استقالته .
وحين نلقي نظرة إلى الجرائم التي ارتكبها هذا العسكري ضد باكستان وشعبه ، نجدها كثيرة لا حصر لها ، ما مر حاكم دكتاتوري مثله على باكستان منذ وجودها حتى اليوم ، فمائة وستة أشهر هي الأشهر السُود المظلمة في تاريخ باكستان ، فوصف الرجل بأنه مجرم حرب ، أو مرتكب جرائم ضد الإنسانية ، قليل في حقه ، بل إنه مُبِيْدُ دين ، يتجاوز أتباعه المليار والنصف فكلهم خصومه ، ومنشئ دين لم يجد أتباعا ، ولا يماثله في ذلك إلا الحاكم الملحد جلال الدين أكبر المغولي .
وقائمة جرائم برويز مشرف طويلة جداً ، فما من شعيرة إسلامية إلا مسها بيد التحريف ، لا تستغرب إن أخبرتك أن المسلمين في جميع أرجاء المعمورة لا يعرفون للعيد الواقع في شهر ذي الحجة إلا اسم عيد الأضحى ، فقد غير برويز اسمه إلى عيد الإيثار ، و قس على ذلك بقية الشعائر الإسلامية ، فمن أعظم جرائمه :
1 ـ إزالة دولة مسلمة من الوجود .
2- قتل مئات الآلاف من المسلمين الأفغان .
3ـ زج الجيش الباكستاني في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل ، بل إنه يقاتل على أرضه لغيره ، كأجير سَبق دفع أجرتِه .
4ـ كشف الأستار عن كل ما تملكه باكستان من القوة النووية .
5ـ حبس العالم الذري الباكستاني عبد القدير خان ، الذي أحسن إلى كل الباكستانيين ، بل إلى كل المسلمين بصنع القنبلة النووية الإسلامية .
6 ـ تغيير مناهج التعليم في كل المراحل ، وإزالة كل ما ينبئ عن تميز المسلم عن غير المسلم في هذه المناهج .
7ـ تقديم قواعد عسكرية للجيش الأمريكي على الأراضي الباكستانية دون العودة إلى البرلمان ، الذي كان يرأسه ، أو الشعب الباكستاني الذي رفض التقديم بإباء وشمم .
8 ـ هناك آلاف المفقودين من الشباب الباكستاني ، خُطِفُوا من بيوتهم على أيدي C.I.A الأمريكية ، أو الإدارات السرية الباكستانية .
9 ـ منع بناء المساجد إلا بأذن من الدولة ، والسماح ببناء الكنائس دون استئذان .
10 ـ قتل الزعيم القبلي محمد أكبر بكتي الذي رفض الانصياع له ، فلما أُحِيْطَ به رفع يديه للاستسلام إلا أن برويز مشرف أمر الجيش بقتله ، ليكون عبرة لغيره من زعماء القبائل المتمردين .
11 ـ قتل ما يزيد عن 2500 طالبة في جامعة حفصة ، بإلقاء القنابل المحرقة ، التي لا تبيحها الأعراف الدولية ، فضلا عن أنهن جزء من الشعب الباكستاني ، جريمتهن الوحيدة مطالبتهن بتنفيذ شرع الله ، الذي وجدت باكستان من أجله .
12 ـ زج الجيش الباكستاني في منطقة سوات ضد حركة تنفيذ الشريعة الإسلامية ، وقد أبرمت معها الدولة المدنية المنتخبة معاهدة تلتزم فيها بتنفيذ الشريعة في تلك المنطقة ، إلا أن الأمريكان لا يريدون ذلك ، وأمروه بتصفية هؤلاء المطالبين .
13 ـ التلاعب بالدستور للمصالح الشخصية ، بتعليقه مرات عديدة ، وتعديله دون المرور بالبرلمان ، أو عرضه على الاستفتاء الشعبي .
14 ـ التلاعب بالقضاء والقضاة ، وسلب هيبته بطرد القضاة وحبسهم ، والمطالبة بتخلية المساكن التي يسكنونها ، ومنع الرواتب عنهم .
هذا ولم يقدم برويز مشرف استقالته في طبق من ذهب إلى الشعب الباكستاني ، بل قدمها تحت ضغط لم يستطع تحمله ، فقد تمكنت الحكومة المنتخبة من إجراء تصويت في أكبر مقاطعتين في باكستان لعزله ، وكانت نتيجة التصويت في البرلمان البنجابي الذي يمثل أكثر من نصف المقاعد فوافق 325 عضواً على عزله ، وعارض 25 عضوا ، وكانت النتيجة في برلمان السند موافقة 92 عضواً ومعارضة صوتين ، أما برلمان سرحد وبرلمان بلوجستان فكان إجراء التصويت مقرراً خلال أسبوع .
إلا أن مشرف قدم استقالته ، بعد أن أدرك أن أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان سيصوتون لعزله ، وتلك هي النسبة الدستورية المطلوبة لعزله ، فإبقاءً لماء وجهه أمام العالم قدم استقالته تحت هذا الضغط البرلماني .
وباستقالته سيتغير توجه الدولة الباكستانية المنتخبة في الأمور البارزة التالية إن شاء الله :
1) إنهاء القتال ، وسحب الجيش من المناطق القبلية ، وإبرام معاهدات مع من رفع السلاح في وجه الجيش .
2) رفع الحظر المفروض على الأنشطة الإسلامية .
3) إعادة المفاوضات مع الأمريكان تجاه قواعدهم الموجودة في باكستان .
4) محاكمة برويز مشرف على الجرائم التي ارتكبها أثناء حكمه ، ويُشْتَرَطُ لذلك بقاؤه في باكستان ، وعدم عَرْضِ اللجوءِ السياسي عليه من قبل إحدى الدول الإسلامية .
والكلمة الأخيرة التي أود تقديمها ، إلى كل من يفكر في موالاة الأمريكان واستمرار التعاون معهم ، تحت أي اسم من الأسماء ، أو أي عنوان من العناوين ( أن الأمريكان يشترون خدمات الإنسان بالدولارات ، ما دام قادراً على أدائها ، ومتى عجز عن ذلك لفظوه وطردوه ، كما يطرد البلغم أو المخاط ، ولا يقدمون له لجوءاً سياسياً في بلادهم ، وما أظنك نسيت شاه إيران الذي كانت تصفه أمريكا ـ مدحاً له ـ بالشرطي الأمريكي في منطقة الخليج ، وزعيم فلبين ، فرغم إخلاصهما في الحفاظ على المصالح الأمريكية في بلديهما وفي المنطقة لم تقدم لهما لجوءاً سياسياً ، حين قام الشعب عليهما، وطردهما من السلطة والبلاد .)
اللهم بصرنا بدينك ، واجعل لنا من أمرنا رشدا ، إنك قوي عزيز .