في كثير من الأحيان يخيل إليك وأنت تستمع إلى متحاورين من عالمنا الإسلامي، أنك تستمع إلى حوار طرشان، ذلك أن المتحاورين لا يحسنان الإصغاء إلى بعضهما، ما يترتب عليه عدم فهم المحاور لأطروحات محاوره بشكل جيد، فيضيع الوقت دون الوصول إلى ما ينفع ويفيد، فيبقى كل واحد منهما متشبث بأقواله وأطروحاته، وهكذا دواليك في كل حوار جديد، انفعال وصراخ وهجوم وتحد للأخر، وما ذاك إلا لأننا لم نتعلم فن الإصغاء، والإفادة من ملاحظات ومؤاخذات ومخالفات الآخرين.
ثمة مقولة تنسب للإمام الشافعي يقول فيها: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب"، تلك المقولة ترسم منهجا متوازيا واعيا، فهي تفترض الصواب لرأي المحاور، مع إقامة احتمالية الخطأ فيه، وفي الوقت نفسه تفترض الخطأ في رأي المخالف، مع احتمالية الصواب فيه، حينما تكون الأمور وفق هذا التصور والمعيار، بإقامتها لاحتمالية الخطأ في أفكار ومقولات وقناعات المتحدث، مع إقامة الصواب في أفكار ومقولات ورؤى المخالف، فان الحوار حينها يكون مثمرا ومنتجا ونافعا.
أما حينما ينطلق المحاور من قناعة مفادها أن ما يعتقده ويقوله ويراه، هو الحق المطلق الذي لا يحتمل خطأ، وأفكار محاوره المخالف له هي الخطأ المحض الذي لا يحتمل صوابا، فان الحوار حينها سينقلب إلى حوار عبثي غير منتج، لأن من يعتقد أن ما هو عليه هو الحق المطلق، لا يحسن الإصغاء إلى مخالفيه من الآخرين؟ فما الذي سيستفيده منهم وحاله كذلك من اعتقاده لامتلاكه الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ وأن أراء مخالفيه ما هي إلا خطأ محض، وباطل متهالك.
تلك هي بعض مظاهر النزعة "الدوجمائية" التي تحكم كثيرا من العقول، مصطلح "الدوجما" يُطلق في الثقافة الغربية على الاتجاهات المغلقة التي تتبنى معتقدات يقينية قاطعة لا تقبل النقاش أو الجدل أو المراجعة، وتتعامى عن المتغيرات والمستجدات، ولا تحفل بالدلائل والأدلة المخالفة، ويعرفها الدكتور محمد عثمان الخشت ـ أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة ـ بأنها تعريب لكلمة Dogmatism، ولها ترجمات عديدة، مثل: وثوقية، قطعية، توكيدية، إيقانية، معتقدية، وهي تعني الاعتقاد الجازم واليقين المطلق دون الاستناد إلى براهين يقينية، وإنكار الآخر ورفضه باعتباره على باطل مطلق!
من مظاهر النزعة "الدوجمائية" الراسخة في أنماط تفكيرية، وسلوكيات إسلامية، ما تراه وتجده عند كثير من أصحاب الاتجاهات الإسلامية المعاصرة، من ادعاء الحق واحتكاره فيما يعتقدون، وبطلان ما يعتقده غيرهم في هذه القضية أو تلك، حتى إنك لتجد أن من تلك الاتجاهات من يزعم أن الاعتقاد الصحيح في قضية ما هو ما زعموه بفهمهم، ومن ثم نسبوه إلى جمهور سلف الأمة المتقدمين، وبعد التحري والتدقيق تجد أن من كبار أئمتهم من قرر ذلك الاعتقاد مخالفاً لما اعتقدوه وأصلوه واتبعوه وتبنوه!
في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، يزعم كثير من رؤوس الاتجاه السلفي المعاصر ورموزه، أن الاعتقاد الصائب في هذه القضية هو القول بأن التحسين والتقبيح شرعيان، ولا مدخل للعقل فيهما، ويصفون ـ من غير تردد ـ كل من يقول بأن التحسين والتقبيح عقليان، بالاعتزال ويصرون على أن قولهم هذا هو قول السلف، مع أنه هو عين قول الأشاعرة بحروفه ونصوصه، وملخص الأقوال في هذه القضية: ما يذهب إليه الأشاعرة الذين يقولون بأن التحسين والتقبيح شرعيان، وكذلك الثواب والعقاب، أما المعتزلة فيقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، وأن ما رآه العقل حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه العقل قبيحاً فهو عند الله قبيح.
ونقف مع ثلاثة من أكابر مراجع السلفيين المعاصرين، وهم ابن تيمية، (في مواضع متعددة من مجموع الفتاوى)، وتلميذه ابن القيم، (في مفتاح دار السعادة ومدارج السالكين)، والشوكاني، (في إرشاد الفحول..), فهم يقررون أن التحسين والتقبيح عقليان، والثواب والعقاب شرعيان، وفي معرض تقريره لهذا المذهب، لا يتردد ابن القيم من موافقة الحق الذي مع كل فريق من الفريقين، (فهو يرى أن الأشاعرة مصيبون بقولهم بأن الثواب والعقاب شرعيان، والمعتزلة مصيبون بقولهم بأن الحسن والقبح عقليان)، ويرد الباطل (كما يراه) مع كل فريق من الفريقين (فهو يرى أن الأشاعرة مخطئون بقولهم بأن التحسين والتقبيح شرعيان، والمعتزلة مخطئون بقولهم بأن الثواب والعقاب عقليان)، حيث يتولد له مذهب ثالث مفاده (التحسين والتقبيح عقليان، والثواب والعقاب شرعيان).
يلخص الشوكاني ذلك المذهب بقوله:"وبالجملة فالكلام في هذا البحث يطول وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسناً أو قبيحاً مكابرة ومباهتة، وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقاً للثواب، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقاً للعقاب فغير مسلم وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقاً للثواب والعقاب".
ثمة فرق كبير بين من يتعاطى مع الآراء والأقوال والاجتهادات الدينية، بنظرة دوجمائية مغلقة، وبين من يدرسها دراسة حرة، تدور مع الدليل حيث دار، وتتعالى عن الانغلاق والتعصب والجمود والتقليد.