مشرف الموقع : د.خادم حسين بخش

 

مدير الموقع :أ.فهد محمد اللامي

 

 
الرئيسية   التحرير   من نحن   سجل الزوار   اتصل بنا
  

هؤلاء هم قضاتنا.. "ما لكم كيف تحكمون"؟
 

بــقــلم : عبدالعزيز محمد قاسم

أضيف في: 10-2-2010

 

حكى المثقف المعروف محمد سعيد طيب، في حوار فضائي أخير له بقناة (دليل)، الجمعة قبل الماضية، قصة أذهلت كثيرين استمعوا إليها، فقد عاد أبو الشيماء بذاكرته إلى خمسين عاما خلت، وقال إنه مَثل أمام القاضي الشيخ محمد بن جبير -يرحمه الله- وقتما كان مُوقفاً لأسباب خاصة، وكان إذاك في ريعان وفورة شبابه. ثم ذكر نتفاً من الحوار الذي حصل معه والشيخ ابن جبير، وكان فضيلته على كرسي القاضي، فيما كان وزملاؤه في المكان المخصص للمدانين بهيئتهم المعروفة، ثم سرد كيف أن الشيخ ابن جبير كان يقرن كلمة (أخ) قبل أسمائهم عندما يناديهم، وقد ألجمته الدهشة وقتما بادره بأن له الحق بالكلام والدفاع عن نفسه، بل نهر المسؤول الأمني المصاحب لهم وأمره بالسكوت. وتحدث طيب بكل الإعجاب عن تلك اللفتة التي وجدوها، والمعاملة التي تلقوها من قبل قاضٍ سعودي شرعي، حكم له ورفقته بأنه لم يثبت لديه ما يدينهم وأطلق سراحهم.

 

بالتأكيد، حُقّ للطيب الدهشة؛ ففي تلك الفترة التي نتحدث، نعرف كيف كانت السجون العربية ومحاكمها في البلدان القريبة، خصوصاً مصر وبلاد الشام، ومن يقرأ في كتاب زينب الغزالي (أيام من حياتي) يعرف جيدا الظروف والمرحلة التي نتحدث.

ثمة دروس عديدة يخرج بها المشاهد لتلك الحلقة التي تجلى فيها الطيب وكان شفيفاً؛ ربما كان أولها نموذج القاضي الشرعي النزيه الذي أملت عليه أمانته أن يحكم بما يعتقد بصحته وبحسب القرائن التي لديه دون أن يخاف في الله لومة لائم.

 

ربما كانت هناك إشارة مهمة بحرص ملوكنا وولاة أمرنا بتنصيب الأكفاء وتأكيدهم على ألا يصل لمثل هذا الموقع البارز والمهم إلا من يتقي الله تعالى، وقد أكبرت في الشيخ - وأنا أستمع بكل الشغف لحديث أبي الشيماء- هذا الموقف منه، فالحادثة قبل خمسين عاما، ما يعني أن مستقبلا وظيفيا أمام فضيلته، غير أنه لم يأبه أبدا بذلك وحكم بما أملاه ضميره عليه، وأطلق سراح هؤلاء الموقوفين.

 

النقطة الأهم برأيي؛ هي قبول السلطة السياسية لهذا الحكم واحترامهم للقضاء، وتنفيذه الفوري، فقد أطلق سراح هؤلاء، ما يعطينا دليلاً بيّناً على استقلالية القضاء السعودي، وأن مبدأ فصل السلطات متحقق منذ أزمنة بعيدة، رغم أن ظروف تلك المرحلة، التي كانت تمر بها بلادنا، غاية في الحساسية، ومع ذلك أمضى السياسي الحكم، واحترم حكم المحكمة.. وليت شعري أي سلطة سياسية عربية تفعل ذلك.

 

هذه الرواية التي سردها محمد سعيد طيب؛ نبلاً ووفاءً لرجل رحل إلى لقاء ربه، تعيد موضوعاً مهماً حيال تلك الشخصيات التي كان لها أدوارها الوطنية المثلى، فهذه الحادثة أعطتنا رؤية واضحة تجاه مكانة القضاء في الدولة، وإلى نموذج وضيء لقاض شرعي شريف، يفخر جهاز القضاء بل الوطن برمته بمثله، فليت أحبتنا المهتمين في إزالة ما تراكم على صورة القضاء من غبش أن يبرزوا أمثال هذه النماذج، وأن يعرضوها بصورة احترافية -لا دعائية فجَّة بما نطالع أحيانا في نتاجات بعض هيئاتنا الشرعية- وإعادة تسليط الضوء على مثل هذه النماذج الوطنية التي نفخر.

 

ويقودني هذا للحديث عن شخصية كان لها دورها الكبير منذ أزمنة التأسيس، وكان يمثل ثقل المؤسسة الدينية ومكانتها لدى ولاة الأمر والمجتمع، وقصدت سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -يرحمه الله- المفتي الأسبق للديار السعودية، الذي مثل دور العالم السلفي الحقيقي وعلاقته بالإمام أو السلطان. فرغم الدور الكبير الذي لعبه (ولد في عام 1311هـ، وتوفي 1389هـ، وقد عاصر ثلاثة ملوك، وحظي بالمكانة الأرفع والثقة المطلقة من ولاة الأمر)، كانت له أدوار وطنية حاسمة، انتقلت لنا - للأسف- شفاهة، ولم ترصد مسيرته رصداً علمياً موثقاً، وهو ما اشتكى منه الباحث عبدالعزيز الخضر في كتابه الجديد (السعودية: سيرة دولة ومجتمع) حيث ذكر أنه لم يكتب عن حياة الشيخ وفاعليته ممن عاصروه من مشايخ ونخب ثقافية وسياسية.

 

ولا تزال أمام الباحثين والمؤرخين فرصة في استدراك ما فات من توثيق لمسيرة الشيخ وأدواره التي قام بها بطريقة علمية، تتوسل أدوات البحث العلمي الموضوعي، التي لا دخل للعاطفة والدعائية فيها، فمواقف الرجل وفكره كافيان ليبرزا الدور الكبير الذي قام به.

 

أختم مقالتي بمطالبة أحبتي الشرعيين، في المعاهد والجامعات والكليات المتخصصة، بإبراز نماذجهم الوطنية، وتسليط الضوء على ما قاموا به من خدمة للدين والوطن، فهذا حق لهم علينا، فضلا عن التعريف بما قدمته قطاعاتهم الشرعية.. والله أعلم. 

 
الرئيسية رابط المقال أرسل مقالا الأرشيف البحث طباعة المقال أرسل المقال لصديق
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع صوت الحق