أثار عضو مجلس الشورى، وصاحب التصانيف الكثيرة في علم الحديث، والأستاذ بجامعة أم القرى، الشيخ الدكتور الشريف حاتم العوني، في الأيام الماضية موجة عاصفة وجدلاً كبيراً في الساحة، وذلك عبر مقالة أطلقها بعنوان «سنصدع بالحق»، تميزت بالجرأة والوضوح في نقد آراء وفتاوى في عدد من القضايا ذات الأهمية الكبرى، مبدياً أن عدم إبراز وإعلان مثل ذلك النقد طيلة السنوات الماضية كلفنا الآن خسائر إصلاحية عدة للخطاب الديني، وأن الوقت قد حان للبوح وبصوت مرتفع بالاجتهادات الفقهية المخالفة، التي تصب في مصلحة إصلاح الخطاب الديني.
ولقد وُوجهت تلك الدعوة من العوني بموجة أخرى من الرفض، تنوعت وتعددت في ألفاظها من عدد من طلبة العلم الرافضين لأي اعتراض على تلك الفتاوى.
إن المتتبع للواقع والمخرجات عبر السنوات الماضية يلحظ أن بعض ذلك النتاج من بيانات أو فتاوى كانت تتسم في عدد ليس بالقليل منها بثلاث سمات بارزة وهي:
الأولى: المصادرة والإقصاء للرأي المخالف، سواء على صعيد الآراء الفقهية حتى وإن كان ذلك المخالف ينتمي للمدرسة السلفية ذاتها.
وقد برز مثل ذلك الرفض والإقصاء في قبول الاختلاف والرأي الآخر في الطريقة التي تعاطت بها فتاوى وبيانات منذ سنوات عدة مع مجموعة من الكتب والرسائل التي أُلفت في قضية تعريف معنى الإيمان بالله. واعتبار العمل شرطاً لكمال الإيمان وعدم تكفير من حكم بغير ما أنزل الله إلا بشرط الاستحلال القلبي، إذ صدرت حينها مجموعة من البيانات في تحريم طباعة تلك الكتب وعدم جواز نشرها أو بيعها أو تداولها ودعوة أصحابها للتوبة والعودة للحق، وذلك لمجرد الاختلاف في فهم وتفسير بعض النقولات العلمية عن شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، ومن الطريف أن إحدى تلك الرسائل قدم لها الشيخ صالح السدلان!
ومن ذلك أيضاً ما حصل للمستشار الشرعي في وزارة الشؤون الإسلامية، الشيخ دبيان الدبيان، حينما ألف كتاباً له بعنوان «الإنصاف في ما جاء في الأخذ من اللحية وتغيير الشيب بالسواد من الخلاف»، الذي دعم فيه القول بجواز الأخذ من اللحية بأدلة كثيرة وكان نهاية ما توصل اليه «أن القول بتحريم الأخذ من اللحية مطلقاً هو بدعة».
مثل هذا الكتاب وإن كان مدعماً بالأدلة الشرعية إلا أن مخالفته الرأي والفتوى السائدة أدت إلى صدور فتوى مختصة بالكتاب المذكور حذرت فيها من الاغترار بالقول المذكور فيه، ودعت الكاتب للرجوع للحق والكف عن نشر البحث، ولم تتضمن في الوقت ذاته أي مناقشة علمية!
السمة الثانية: رفض أصحاب هذا الاتجاه تقبل النقد لأطروحاتهم وآرائهم، ولذلك عندما ظهرت على الساحة الإعلامية كتابات عدة نقدية لهذا الخطاب، قوبلت تلك الأصوات بالرفض والتأثيم والتجريم والتخوين، وذلك لمجرد شعورهم بفقدان مكتسبات الماضي في ظل أي حركة نقدية لهم.
ومبعث ذلك الخوف إنما هو نابع من عدم التمييز والتفريق بين الدين بوصفه قيمة سامية مقدسة ونقد آراء وأفكار شخوص الرموز الدينية.
لذلك فهم يرون أنهم ومن خلال ممارساتهم وتطبيقاتهم البشرية لقضايا الدين القابلة للتخطئة والتصويب يمثلون تلك المبادئ والقيم العامة.
وأنهــم المخـــولون فحســب بتطبيقها، لذلك يقفون موقف الرفض والعداء تجاه أي نقد يوجه إليهم وذلك لاعتقادهم أن أفكارهم وممارساتهم تمثل المقدس الذي لا يمكن المساس أو التعدي عليه.
السمة الثالثة: التشدد والمبالغة في كثير من القضايا والأحكام تحت اسم القاعدة الشرعية الشهيرة: سد الذرائع، التي تم إطلاقها بلا قيود أو حدود؛ حتى أصبحت نوعاً من الوصاية على المجتمع والخلط بين التقليدي والديني، لاسيما في القضايا والأحكام المتعلقة بالمرأة، كقضية قيادة المرأة للسيارة، والاختلاط في العمل، وبطاقة المرأة النسائية، والتحذير من عدد من الألبسة والهيئات كعباءة الكتف وغيرها.
ولعل أشهر بيانين صدرا من اللجنة الدائمة في ذلك السياق هما «بيان حول ما نشر في الصحف عن المرأة» في عام 1420هـ، والآخر البيان المعنون بـ «أحكام لباس المرأة» في عام 1421هـ، اللذان تم توزيعهما ونشرهما بكميات كبيرة، إلى غير ذلك من القضايا المتعلقة بالمرأة.
إذن فعلى أصحاب الفتوى الآن أن يــدركوا ضرورة المراجعة والنقد لكل الأفكـــار والمواقف والتحركات السابقة، وأنّ عملية التصحيح وتقـــييم الماضي هيما الضمان الوحيـــد للبقاء والتأثير، وأنهمـــا هما السبيل لمــواكبة المستجدات كافة والمتغيرات على الساحة.
ويجب التأكيد ها هنا بأن الخطوة المباركة التي أقرها خــــادم الحرمين منذ مطلع العام الجـــاري بإعادة تشكيل هيئة كبار العلماء وغير ذلك من المؤسسات الدينية، سيكون لها دور كبير في ذلك التغيير والتصحيح على المدى القريب، وخير مثال على ذلك تلك الرؤية الحديثة لوزير العدل الشيخ الدكتور محمد العيسى تجاه قضية الاختلاط، التي تعتبر علامة فارقة لقضية كانت تعتبر من المسلمات في فترة قد مضت.