مشرف الموقع : د.خادم حسين بخش

 

مدير الموقع :أ.فهد محمد اللامي

 

 
الرئيسية   التحرير   من نحن   سجل الزوار   اتصل بنا
  

صفات منهج أهل السنة والجماعة
 

بــقــلم : د. عمر بن رفود السفياني

12-8-2008

 

معالم المنهج الوسطي في أبواب العبادات والمعاملات:

1-  الأمر بالاستقامة على وسطية الإسلام:

وترك التعدي والطغيان ومجاوزة الحد إفراطًا أو تفريطًا, قال تعالى: (((َفاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود:112], فالله سبحانه أمر بالاستقامة التي هي الاعتدال, والبعد عن الانحراف, ونهى عن الطغيان كما حذر سبحانه من تجاوز حدوده المفضي إلى أحد الانحرافين: الغلو أو التقصير, قال تعالى: (((تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229].

قال ابن القيم: "فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة, وإما إلى إفراط وغلو, ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه.. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له, فالغالي فيه مضيع له, هذا بتقصيره عن الحد, وهذا بتجاوزه الحد".

2-  اليسر والسماحة والتوسعة:

تهدف الشريعة الإسلامية إلى تحقيق مصالح العباد وجلب الخير والمنفعة لهم, وإلى رفع الضرر والمفاسد والحرج عنهم, ولذلك نجد أن العبادات فيها تقوم على اليسر, وأن المعاملات تقوم على السماحة.

واليسر هو العمل الذي لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم, والتوسعة ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه, ولا يحرج فيه, والسماحة الجود والعطاء والتساهل ولين الجانب.

فمن أدلة اليسر والتخفيف والتوسعة قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) [البقرة:185], وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخفِّفَ عَنكُمْ وخلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً)[النساء:28], وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر, ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه, فسددوا وقاربوا وأبشروا" (أخرجه البخاري), وقال لمعاذ وأبي موسى عندما أرسلهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" (أخرجه البخاري), ومن أدلة السماحة قوله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة" (أخرجه البخاري), وقوله: "رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع, وإذا اشترى, وإذا اقتضى" (أخرجه البخاري).

3-  رفع الحرج والمشقة:

والحرج هوالضيق, واصطلاحًا: "كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أوالنفس أوالمال حالاً أومآلاً", قال تعالى: (((وَمَا جعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )))[الحج:78].. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا, ولكن بعثني معلمًا ميسرًا" (أخرجه مسلم), وقال: "إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها, فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه" (أخرجه أبوداود).

4- عدم التكليف بما لا يطاق:

راعى الخالق الحكيم الخبير طاقة عباده في التشريع, فجاء التكليف في حدود الوسع والطاقة, قال تعالى: (((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا} [البقرة:286].. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله, إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه, ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" (أخرجه البخاري).

5-  النهي عن الغلو في الدين:

قال شيخ الإسلام  ابن تيمية : "الغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء, في حمده أو ذمه, (أو صفة فعله) على ما يستحق ونحو ذلك". وقد نهى الشرع عنه لما له من الآثار الوخيمة, قال تعالى: (((يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ))) [النساء:171].. وقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلوفي الدين" (أخرجه ابن ماجه).

والغلو قد يكون اعتقاديًا, وقد يكون سلوكيًا عمليًا, والثاني هو موضوع هذه الفقرة.

ومن الأوصاف الجامعة لأهل الغلو: عدم فهمهم للقرآن الكريم, وما ينتج عن ذلك من تأولات باطلة قد تؤدي إلى استحلال دماء المسلمين, كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي اعترض على قسمة الغنائم: "إن من ضئضئي هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" (متفق عليه) والغلوعلى أنواع, منها:

أ- إلزام النفس أو الآخرين بما لم يوجبه الله تعالى تعبدًا وتقربًا إلى الله:

من ذلك حديث أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين سارتيين فقال: "ما هذا الحبل؟" فقالوا: هذا حبل لزينب, فإذا فترت تعلقت به, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حلوه ليصل أحدكم نشاطه, فإذا فتر فليرقد" (البخاري) قال ابن حجر: "فيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها". وقوله: "عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا, وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه" (البخاري).

ب- تحريم بعض الطيبات التي أباحها الله أوترك بعض الضرورات على وجه التعبد, ومن ذلك حديث أنس رضي الله عنه قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته, فلما أُخبروا كأنهم تقالوها, فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم, فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا, وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر, وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, لكني أصوم وأفطر, وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني" (مسلم).

جـ – صور أخرى للتشدد تساعد في فهم معنى الغلو:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع: "هلم القط لي الحصى", فلقطت له حصيات من حصى الخذف, فلما وضعهن في يده قال: "نعم, بأمثال هؤلاء, وإياكم والغلو في الدين, فإنه أهلك من كان قبلكم" (ابن ماجة).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال, وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار, وهو داخل فيه, مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار, ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم, أي هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به, وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك".

قال صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون, هلك المتنطعون, هلك المتنطعون", قالها ثلاثًا (مسلم), قال النووي: "هلك المتنطعون, أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم".

قال صلى الله عليه وسلم: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم, فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم, فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" (أخرجه أبو داود, والآية في سورة الحديد رقم 27).

قال صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به, ولا تستكثروا به, ولا تجفوا

عنه, ولا تغلوا فيه" (أحمد).

6- عدم المؤاخذة حال الخطأ والنسيان والإكراه:

من رحمة الله العليم بأحوال عباده وما يعتريهم من النقص والضعف والقصور أن رفع عنهم المؤاخذة في حالات السهو والنسيان, وكذا في حالات الإكراه مراعاة لواقعهم, قال تعالى على لسان المؤمنين: (((رَبَّنَا لا تُؤَاخذْنَا إن نَّسِينَا أَوأَخطَأْنَا))) [البقرة:286] فقال: "قد فعلت" (أخرجه مسلم), وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه" (ابن ماجه وابن حبان).

7-  إباحة المحرم حال الضرورة:

تنقسم الأقوال والأفعال والعقود والتصرفات إلى مأمور بها, لما فيها من المصالح, ومنهي عنها, لما فيها من المفاسد, لكن قد تطرأ على المكلف ضرورات ملجئة, تضطره إلى درء مفسدة كبرى بمفسدة أقل منها, كدرء مفسدة الموت جوعًا أوعطشًا بمفسدة شرب الخمر أوأكل الميتة إذا لم يوجد غيرهما, مقتصرًا من ذلك على القدر الذي يدفع المفسدة, قال تعالى: (((قُل لاَّ أَجدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَودَمًا مَّسْفُوحًا أَولَحْمَ خنزِيرٍ فَإنَّهُ رِجسٌ أَوفِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)))[الأنعام:145] .

8-  الترغيب في قبول الرخص:

الرخصة هي ما شرعه الله تعالى من الأحكام تخفيفًا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف, ومن الاعتدال والوسطية قبول رخص الله تعالى, قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (أحمد والدار قطني), وقال صلى الله عليه وسلم في مسألة قصر الصلاة في السفر: "إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (مسلم).

9-  الحث على السماحة في المعاملات:

المعاملات هي ما يجري بين الناس من أمور الدنيا, وهي قائمة على أساس من المشاحة والمشادة لأن كل طرف يسعى لتحقيق مصلحته, وقد يؤدي ذلك إلى نوع من الشحناء والتعادي, ولذلك حث الشارع الحكيم على التسامح في البيع والشراء وسائر المعاملات, ورغب في حسن الاقتضاء, والتسامح فيه, وبين ما أعده للمتصفين بالسماحة في ذلك, حرصًا على حسن الصلة, وحفظًا لرباط المودة بين الناس, قال صلى الله عليه وسلم: "أدخل الله عز وجل رجلاً كان سهلاً ـ مشتريًا, وبائعًا, وقاضيًا, ومقتضيًا ـ الجنة" (النسائي).

وقال: "إن الله يحب سمح البيع, سمح الشراء, سمح القضاء" (الترمذي), ورغّب في التنفيس على المعسر, قال تعالى: (((وإن كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وأَن تَصَدَّقُوا خيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280].. وقال صلى الله عليه وسلم: "حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء, إلا أنه كان يخالط الناس, وكان موسرًا, وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر, قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه, تجاوزوا عنه" (مسلم), بهذا المنهج المعتدل وحده يصلح حال الفرد والجماعة في عباداتهم ومعاملاتهم وسائر أحوالهم.

 


 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع صوت الحق